الشيخ محمد رشيد رضا

513

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كرها ، يدل على هذا قوله تعالى ( 14 : 25 وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) الآية . وقوله « قُضِيَ الْأَمْرُ » معناه أمر الحساب في الآخرة . فمن وسوس اليه الشيطان فأمره بمنكر فلم يطعه كان محفوظا من إغوائه ليس له سلطان عليه لا حقيقة ولا مجازا وقد يكون له مزية على من لم يوسوس اليه ولم يزين له المعاصي إذا صح ما قالوا في تفضيل الأنبياء على الملائكة من كونهم قد ركبت فيهم الشهوات الداعية إلى المعاصي فقاوموها والتزموا الطاعة ، وفي إطلاقه بحث ندعه إلى مكان آخر هربا من التطويل ، وقد ثبت ان المتقين قد يمسهم طائف من الشيطان - وهو الوسوسة أو مبدأها - ولكنه إذا مسهم تذكروا فاذاهم مبصرون فلا يقعون في فخ طاعته ، بل ينبههم طائفه من الغفلة فيكونون بعد مسه أشد اتقاء لما لا ينبغي واجتهادا فيما ينبغي ، والأنبياء المرسلون وغير المرسلين ، هم سادات المتقين ، فهم لا يغفلون عن وسوسة الشيطان ، فأنى يكون له عليهم أدنى سلطان ؟ وأما النسيان الذي تكون الوسوسة سببه فليس طاعة للشيطان فيكون من سلطانه المجازي على الناسي ، ولكنه إذا كان نسيان واجب أدى إلى تركه حتى فات وقته ، أو نسيان نهي أدى إلى فعل المنهى عنه ، - كان وقوعه من الأنبياء عليهم السّلام مشكلا ، وليس منه نسيان يوسف لذكر ربه عند كلامه مع أحد صاحبي السجن ولا نسيان فتى موسى للحوت ، ونبينا صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم لم يقع منه نسيان أدى إلى مخالفة الامر بالاعراض عن الذين يخوضون في آيات اللّه كقعوده معهم ناسيا ، ولو وقع ذلك - معاذ اللّه - لم يكن منه معصية كمعصية آدم لان اللّه رفع عنه وعن أمته الخطأ والنسيان كما تدل عليه الآية والحديث الذي يأتي قريبا ولكن هذا النسيان ينافي العزم ، وهو ( ص ) سيد أولي العزم ، وقد قال اللّه تعالى في آدم عليه السّلام ( فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) وقال ( وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ) وما زال العلماء يعدون الجواب عن هذه المسألة أعقد المشكلات في باب القول بعصمة الرسل ( ع م ) مع الجزم بأن آدم لم يكن وقت الامتحان بالنهي عن الاكل من الشجرة نبيا رسولا ، ولم يكن في دار التكليف على ما عليه الجمهور ، وهم لا يقولون بعصمة « تفسير القرآن الحكيم » « 65 » « الجزء السابع »